ابن كثير
286
البداية والنهاية
رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكفانه وضع على سريره ، ثم وضع على شفير حفرته ، ثم كان الناس يدخلون عليه رفقاء رفقاء لا يؤمهم عليه أحد . قال الواقدي : حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم قال : وجدت كتابا بخط أبي ، فيه أنه لما كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع على سريره ، دخل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار بقدر ما يسع البيت . فقالا : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، وسلم المهاجرون والأنصار كما سلم أبو بكر وعمر ثم صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد . فقال أبو بكر وعمر - وهما في الصف الأول حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم - اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه ، ونصح لامته ، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته ، وأومن به وحده لا شريك له ، فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه ، وأجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به ، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما ، لا نبتغي بالايمان به بديلا ، ولا نشتري به ثمنا أبدا . فيقول الناس : آمين آمين ويخرجون ويدخل آخرون حتى صلى الرجال ، ثم النساء ، ثم الصبيان ( 1 ) . وقد قيل إنهم صلوا عليه من بعد الزوال يوم الاثنين إلى مثله من يوم الثلاثاء ، وقيل إنهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه كما سيأتي بيان ذلك قريبا . والله أعلم . وهذا الصنيع ، وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه أمر مجمع عليه لا خلاف فيه ، وقد اختلف في تعليله . فلو صح الحديث الذي أوردناه عن ابن مسعود لكان نصا في ذلك ، ويكون من باب التعبد الذي يعسر تعقل معناه . وليس لاحد أن يقول لأنه لم يكن لهم إمام ، لأنا قد قدمنا أنهم إنما شرعوا في تجهيزه عليه السلام بعد تمام بيعة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه ، وقد قال بعض العلماء إنما لم يؤمهم أحد ليباشر كل واحد من الناس الصلاة عليه منه إليه ، ولتكرر صلاة المسلمين عليه مرة بعد مرة من كل فرد فرد من آحاد الصحابة رجالهم ونساءهم وصبيانهم حتى العبيد والإماء . وأما السهيلي فقال ما حاصله : إن الله قد أخبر أنه وملائكته يصلون عليه ، وأمر كل واحد من المؤمنين أن يباشر الصلاة عليه منه إليه ، والصلاة عليه بعد موته من هذا القبيل . قال وأيضا : فإن الملائكة لنا في ذلك أئمة . فالله أعلم . وقد اختلف المتأخرون من أصحاب الشافعي في مشروعية الصلاة على قبره لغير الصحابة . فقيل نعم ! لان جسده عليه السلام طري في قبره لان الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما ورد بذلك الحديث في السنن وغيرها فهو كالميت اليوم ، وقال آخرون : لا يفعل لان السلف ممن بعد الصحابة لم يفعلوه ، ولو كان مشروعا لبادروا إليه ولثابروا عليه . والله أعلم . صفة دفنه عليه السلام وأين دفن قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، ثنا ابن جريج أخبرني أبي - وهو عبد العزيز بن جريج :
--> ( 1 ) رواه الواقدي في آخر مغازيه 3 / 1120 .